كشف العلماء هذا الأسبوع عن أن درجات الحرارة العالمية تقترب من منحنى مناخي يبعث على القلق، وأضافوا أن هذا لا يعني استحالة تحقيق الأهداف المناخية الطموحة، لكنه يعني أن المهلة المتاحة للتحرك تنفد نفادًا سريعًا.

وفقًا لتقرير جديد صادر عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية ومكتب الأرصاد الجوية بالمملكة المتحدة، فإن ثَمَّ احتمالًا بنسبة 24% أن يرتفع المتوسط العالمي لدرجات الحرارة عن مستوياته قبل الثورة الصناعية بمعدل 1.5 درجة مئوية خلال سنة واحدة على الأقل من السنوات بين 2020 و 2024.

إذا ما نظرنا إلى هذا التقرير في ضوء الأهداف المناخية العالمية فسنجد أنه يبعث على القلق؛ فالهدف الأكثر طموحًا لاتفاقية باريس للمناخ هو إبقاء درجات الحرارة العالمية تحت عتبة 1.5 درجة مئوية أو درجتين مئويتين كحد أقصى.

للوهلة الأولى، يبدو أن التقرير يشير إلى أن تحقيق أصعب أهداف اتفاقية باريس قد صار مستحيلًا؛ فقد كشف عدد من العناوين الرئيسية أمس أن الأخبار تنذر بعدم إمكانية تحقيق هذا الهدف المناخي الرئيسي.

لكن حتى الآن، فإن الأمر أقل سوءًا مما يبدو على الأرجح.

فالتوقعات الجديدة لا تستشرف إلا خمس سنوات قادمة، آخذةً في الاعتبار تأثير كلٍّ من الاحتباس الحراري الذي يسببه الإنسان والتقلبات الطبيعية التي تحدث في مناخ الأرض. تتأثر هذه التغيرات بظواهر مثل ظاهرة إل نينو (el ni.ño) ودورات المناخ الطبيعية الأخرى، لذا فمن الممكن أن تجعل بعض السنوات أكثر من غيرها حرارةً أو برودةً بعض الشيء في المدى القريب، وإن كانت درجات الحررة العالمية في العموم ترتفع على المدى البعيد.

يشير التقرير إلى أن كل سنة من السنوات الخمس القادمة غالبًا ما ستشهد ارتفاعًا في درجات الحرارة لا يقل عن درجة مئوية واحدة، مقارنةً بمتوسط درجات حرارة الأرض في أثناء مرحلة ما قبل الثورة الصناعية. وهناك احتمال نسبته واحد إلى أربعة تقريبًا أن تصل واحدة من تلك السنوات إلى عتبة 1.5 درجة مئوية.

 لكن التوقعات لا تقول بالضرورة إن درجات حرارة الأرض ستظل إلى الأبد على هذا المستوى. نظرًا إلى أن متوسط درجات حرارة الأرض يتذبذب بطبيعته صعودًا وهبوطًا من عام إلى آخر، فمن الممكن أن تنخفض درجات الحرارة مرةً أخرى في العام التالي إلى ما دون تلك العتبة.

بل إن التغيرات من شهر إلى آخر أكثر وضوحًا مما هي عليه من عام إلى آخر؛ فالتقرير يشير إلى وجود احتمال نسبته 70% أن يتخطى شهر واحد على الأقل خلال السنوات الخمس القادمة عتبة درجة ونصف درجة مئوية، لكن، مرةً أخرى، قد لا يستمر هذا إلا خلال ذلك الشهر فقط.

إذا ما حدث هذا، فهل يعني ذلك أن العالم أخفق في تحقيق أول أهداف اتفاقية باريس؟ ليس بالضرورة، وإن كان أغلب العلماء يتفقون على اقترابنا من الحد الحرج بخطى ثابتة.

من الأمور المطروحة للنقاش، كيفية تعريف أهداف اتفاقية باريس الخاصة بدرجات الحرارة على وجه التحديد.

فاتفاقية باريس لا تُفصِّل بوضوح المعايير التي تحدد متى يكون تجاوُز عتبة الدرجة المئوية والنصف أو عتبة الدرجتين. لكن وفقًا لتفسيرات أغلب الخبراء، فإن الهدف يتمثل في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بسرعة تسمح باستقرار درجات الحرارة العالمية بصفة دائمة عند نقطة أقل من درجات الحرارة المنشودة هذه.

هذا يعني أنه من الممكن أن ترتفع درجات الحرارة العالمية إلى ما يزيد على عتبة الدرجة والنصف أو الدرجتين لفترة وجيزة، لكن إذا لم تبقَ درجات الحرارة عند هذا المستوى إلى الأبد، فإن هذا يعني أن هناك أملًا في تحقيق الأهداف. من ناحية أخرى، إذا ارتفعت درجات الحرارة متخطيةً هاتين العتبتين وظلت هكذا على المدى الطويل، فإن هذا يعني استحالة تحقيق الأهداف.

في حوار له مع إي آند إي نيوز(E&E News) ، قال زيك هاوسفاذر، مدير قسم المناخ والطاقة بمعهد بريكثرو للأبحاث بمدينة أوكلاند بولاية كاليفورنيا: "هناك خطورة متمثلة في الخلط بين التغير الذي يشهده المناخ على المدى القصير والأهداف الطويلة الأجل. إذا حدث وتخطى عام واحد عتبة الدرجة ونصف الدرجة فإن هذا ليس سببًا كافيًا للاستدلال على أن كل عام سيليه سيتخطى هذه العتبة أيضًا".

مما يزيد الأمر تعقيدًا أنه لا يوجد تعريف دقيق للنمط طويل المدى في سجل المناخ. لكن إن ظل متوسط درجات الحرارة العالمية مرتفعًا فوق حد 1.5 درجة مئوية لما لا يقل عن سبع سنوات أو نحو ذلك، فسيسعنا أن نقول إنه تم تجاوز هذه العتبة إلى الأبد، على حد قول هاوسفاذر.

سلط خبراء آخرون الضوء على القضية منذ صدور التوقعات الجديدة، فكتب ريتشارد بتس -عالِم المناخ بمكتب الأرصاد الجوية- في تعليق نشره موقع كاربون بريف (碳简介) أمس: "في حين أن هذا يمثل تذكرةً جديدةً بأن حرارة الأرض آخذةٌ في الارتفاع، فمن المهم أن نشير إلى أنه لا يعني أننا سنكون قد أخفقنا في تحقيق الهدف بعيد المدى الذي وضعته اتفاقية باريس، والرامي إلى الحد من الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية".

ويضيف بتس أن صياغة التوقعات على هذا النحو قد تضر بجدية أهداف اتفاقية باريس الخاصة بالمناخ.

 تجدر الإشارة إلى أن الكثير من الآثار المناخية المرتبطة بارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية على الأقل "لا يُتَوقع أن تظهر فجأةً في العام الأول أو الشهر الأول الذي يشهد ارتفاع درجات الحرارة إلى هذا الحد"، وفق ما كتب بتس.

وأوضح بتس في تغريدة له أمس قائلًا: "عدم وجود آثار مناخية فورية لا يجب أن يُستغَل لادِّعاء أن هذه الزيادة في درجة حرارة الكوكب غير ضارة، أو أنها لا تستحق الضجة التي أثيرت حولها. إن مثل هذه الادعاءات خداعة ولا تعكس حقيقة ما قاله العلم، فارتفاع الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية من المتوقع أن يكون له آثار كبيرة على المدى البعيد".

بالرغم مما سبق، فإننا نسارع في الاقتراب من هدف الدرجة ونصف الدرجة المئوية.

قد لا يحدث هذا بصفة دائمة في السنوات الخمس القادمة، ولكن العلماء يعتقدون أنه ممكن في العقدين القادمين إذ استمرت درجات الحرارة العالمية في الارتفاع بالمعدل الحالي.

يقول هاوسفاذر: "حقيقة أننا لن نتجاوز رسميًّا بالضرورة الدرجة ونصف الدرجة المئوية في السنوات الخمس القادمة لا تعني أنه من السهل أو حتى من المرجح تحقيق هدف الدرجة والنصف".

ورد في تقرير بارز صدر عن اللجنة الدولية المعنية بالتغيرات المناخية في 2018 أنه لا يزال من الممكن -من الناحية النظرية- تحقيق هدف الدرجة ونصف الدرجة المئوية، لكن يجب أن تنخفض انبعاثات الكربون عالميًّا إلى الصفر بحلول 2050، وأن تشهد الانبعاثات انخفاضات كبيرة بحلول 2030.

هذا الجدول الزمني يتطلب تعديلًا غير مسبوق في أنظمة الطاقة والنقل واستخدام الأراضي عالميًّا. في الوقت الحالي، فإن التعهدات العالمية المنصوص عليها في اتفاقية باريس للمناخ أبعد ما تكون عن تحقيق هذه الأهداف في الوقت المناسب.

يختتم هاوسفاذر حديثه قائلًا: "في حين أن هذا ليس مستحيلًا، فإننا بالتأكيد لا نجد في الوقت الحالي دليلًا واضحًا على وجود الإرادة السياسية اللازمة لتحقيق هذا النوع من التخفيضات. أنا شخصيًّا لست واثقًا بأننا سنتمكن من خفض الاحتباس الحراري بمقدار درجة ونصف. وهذا يجعل من المهم جدًّا أن نضمن اتخاذ ما يكفي من الإجراءات للحد من الاحتباس الحراري إلى مستوى يقل عن درجتين".

أُعيد طبع المقال من كلايمت واير (光明) بتصريح من إي آند إي نيوز. تقدم إي آند إي نيوز تغطية يومية للأخبار المهمة المتعلقة بالطاقة والبيئة عبر موقع www.eenews.net..