تُعد الأمراض القلبية الوعائية سببًا رئيسيًّا للوفاة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتمثِّل قرابة 40% من الوفيات الناجمة عن الأمراض غير المُعدية (الأمراض المزمنة) في مصر، وفق تقديرات منظمة الصحة العالمية.

ورغم هبوط أعداد الوفيات الناجمة عن تلك الأمراض عالميًّا من جَرَّاء تحسُّن نظم الرعاية الصحية، لا تزال الأمراض القلبية الوعائية المسبب الأول للوفاة على مستوى العالم، لذا فإن إمعان التفكير في تفعيل سبل الرعاية الطبية بات أمرًا حاسمًا وضروريًّا.

وتتمثل إحدى سبل الرعاية الطبية الحديثة في ما بات يُعرف الآن بـ"الطب الشخصي" أو الطب الدقيق، الذي يرتكز على جمع بيانات دقيقة عن العوامل الوراثية والبيئية الخاصة بكل فرد، وتصميم إستراتيجية للوقاية من المرض، أو خطة للعلاج تتناسب وظروف كل مريض على حدة.

وفي هذا السياق، نجح فريق بحثي بمؤسسة مجدي يعقوب- مركز القلب بأسوان بالتعاون مع فريق دولي من الباحثين، في بناء قاعدة بيانات جينية من متطوعين مصريين أصحاء، بهدف استخدامها مرجعًا لاكتشاف التغيرات الجينية المرتبطة بأمراض القلب لدى المرضى المصابين بالأمراض القلبية الوعائية.

وكشفت الدراسة -التي نُشرت نتائجها في دورية "نيتشر جينوميك ميديسن" في شهر أكتوبر الماضي- عن وجود متغيرات جينية فريدة لدى المصريين، لم يُعثر عليها في قواعد البيانات الجينية الكبرى.

بعض أفراد الفريق البحثي credit: Yasmine Aguib


إضافة لون جديد إلى كتاب الحياة البشري

"نحتفل اليوم بالكشف عن النسخة الأولى من كتاب الحياة البشري"، كانت تلك هي كلمات فرانسيس كولنيز، مدير مشروع الجينوم البشري، خلال الاحتفال الذي أقيم بالبيت الأبيض في شهر يونيو عام 2000؛ بهدف إعلان الانتهاء من المسودة الأولى للجينوم البشري المرجعي، متابعًا: "يسعدني أن العرق الوحيد الذي نتحدث عنه اليوم هو العرق البشري".

ولكن وللمفارقة، جُمعت أكثرية بيانات المشروع من متطوعين ذوي أصول أوروبية، لذلك فرغم الفوائد الجمة التي نتجت عنه، كان من شأن قلة تمثيل التنوع العرقي في الجينوم المرجعي أن تحرم بعض الإثنيات من تحقيق كل الفوائد الممكنة من المشروع، وفق ما أكدته عدة دراسات متلاحقة خلال العقدين الماضيين. ما يعطى قيمة كبيرة للمشروعات البحثية التى تركز بدورها على دراسة الجينات لدى مجموعات عرقية معينة.

تقول ياسمين عجيب -مدير قسم علوم الحياة بمؤسسة مجدي يعقوب، والباحث الأول في الدراسة- في حديثها لـ"للعلم": "هدف مشروعنا الرئيسي الذي أطلقناه عام 2015 هو الكشف عن الطفرات والمتغيرات الوراثية المرتبطة بأمراض القلب لدى المصريين، بحيث يكون الفحص الوراثي إحدى الأدوات الفاعلة في تشخيص الأمراض القلبية الوعائية، وعاملًا رئيسًا في تحديد الخيار العلاجي الأكثر ملاءمة".

وتتابع: "إلا أننا ندرك أن ذلك المسعى لن يكون ممكنًا دون وجود مرجع ممثل في قاعدة بيانات تضم التسلسل الطبيعي للجينات الخاصة بالقلب لدى المصريين الأصحاء فيما يتعلق بأمراض القلب الوعائية".

أكثر من 400 متطوع

ويتكون الحمض النووي "دنا" من تسلسل من القواعد النتيروجينية التي تمثل بالأحرف الإنجليزية "A, T, G, C"، بحيث يكون ترتيب تلك الأحرف بمنزلة الشفرة التي تحدد وظيفة الجين، وفي حين يحوي الجين الشفرة الوراثية اللازمة لتكوين بروتين واحد، يشير مصطلح الجينوم إلى كامل المادة الوراثية لكائن أو فرد معين.

ومن الوارد حدوث تغيير طفيف في شفرة جين معين من خلال تبدُّل حرف واحد من الحروف المكونة له، وقد يخل ذلك التغيير بوظيفة الجين، أو قد يكون متغيرًا طبيعيًّا لا يؤثر على نشاط الجين.

وتشير "عجيب" إلى أن المتغيرات الوراثية الممرضة في إثنيةٍ ما قد تكون طبيعيةً وغير مُمْرضة في إثنية أخرى، والعكس أيضًا صحيح، ولذلك كان هدف فريقها البحثي هو بناء قاعدة بيانات تحمل المتغيرات الطبيعية لدى المصريين، ومن ثم استخدامها مرجعًا لاكتشاف المتغيرات التي قد تكون ذات علاقة بالأمراض القلبية الوعائية.

ولتحقيق ذاك الهدف، عملت ياسمين وفريقها على استقطاب أكثر من 400 متطوع من فئات عمرية مختلفة، وبنسب متقاربة من الذكور والإناث.

ومن ثم أُجريت فحوص طبية دقيقة على المشاركين؛ لضمان خلوهم من أي أمراض قلبية وعائية، وعليه جرى إقصاء قرابة 50 متطوعًا في تلك المرحلة، في حين جمعت عينات دم من الباقين، ليتم عزل الحمض النووي منها، ومن ثم قراءة تتابُع التسلسل الوراثي في 27 من الجينات المرتبطة بصحة عضلة القلب.

توضح "عجيب" أن فريقها لم يكتفِ بالبحث في التاريخ الطبي للمشاركين، بل جرى فحصهم طبيًّا باستخدام تقنية التصوير الطبي بالرنين المغناطيسي وتخطيط القلب الكهربي، وهو الأمر الذى نادرًا ما يتم عمله في دراسات أخرى مشابهة، على حد قولها.
 

السير مجدي يعقوب وهو يوجه حديثه لبعض أفراد الفريق البحثي credit: Yasmine Aguib

وبعد جمع البيانات الجينية من المتطوعين، عمل الفريق على مقارنتها بقواعد بيانات إقليمية وعالمية، تشمل قاعدة بيانات 侏儒 وقاعدة "伟大的中东风光"،  وتضم الأولى كمًّا هائلًا من البيانات الجينية لمتطوعين من إثنيات مختلفة، فمن ضمنها أفارقة وأوروبيون ومن سكان شرق آسيا وجنوبها، أما الثانية فتحوي بيانات جينية لمتطوعين ينتمون إلى مناطق مختلفة في الشرق الأوسط، وبينت نتائج المقارنة أن ما تزيد نسبته على 15% من المتغيرات الجينية لدى المتطوعين المصريين لم يُعثر عليها في أيٍّ من قواعد البيانات تلك، أي أنها فريدة من نوعها ومميزة للمصريين، وهو ما "يؤكد ضرورة وجود مرجع مصري"، على حد قول "عجيب".

من جانبه أشاد صالح إبراهيم -أستاذ علم الوراثة بجامعة "لوبك" الألمانية- بأهمية الدراسة، واصفًا إياها في حديثه لـ"للعلم" بأنها "إحدى الدراسات النادرة في مصر ومنطقة شمال أفريقيا"، مشيرًا إلى أنها تبعث بالرسالة نفسها التي توصلت إليها دراسته على الجينوم المصري، بعدم فاعلية مراجع الجينوم الغربية للمصريين.



وكان "إبراهيم" وفريقه قد نجح بالتعاون مع فريق بحثي من جامعة المنصورة في بناء جينوم مرجعي من 110 متطوعين من المصريين، بينوا خلالها اختلافات بارزة بين جينوم المصريين والجينوم البشري المرجعي، وفقًا لدراستهم التي نُشرت في دورية "نيتشر كومينيكيشن" شهر سبتمبر الماضي.

ويضيف "إبراهيم" أنه رغم أن دراسة فريق مؤسسة مجدي يعقوب ركزت على 27 جينًا بالتحديد، وقارنتها بنظيرتها في قواعد جينومية كبرى، إلا أنها أظهرت وجود نسبة مرتفعة من المتغيرات الفريدة لدى المصريين، مشيرًا إلى أن المزيد يمكن اكتشافه عبر دراسات مشابهة.

وقد لا تقتصر فوائد المشروع وتطبيقاته على المصريين وحدهم، بل ستكون ذات قيمة لسكان المنطقة العربية ككل، وذلك بسبب قلة البيانات الجينية الواردة من المنطقة، وضعف مشاركة المؤسسات البحثية العربية في المبادرات والمشاريع العالمية ذات الصلة، على حد تصريح يوسف إداغدور، الأستاذ المساعد في قسم علم الأحياء بجامعة نيويورك أبو ظبي، لمجلة "للعلم".

وكان "إداغدور" أحد الباحثين العرب المشاركين في مشروع 1000 جينوم، وهي مبادرة عالمية أُطلقت عام 2008 بهدف دراسة التنوع الوراثي البشري، ويشير إلى أنه حاول حينها مع أقرانه من الباحثين العرب إقناع دولهم بالمشاركة في المشروع، إلا أن المشروع أُطلق من دون مشاركة أي دولة عربية، ولا يزال هذا الغياب قائمًا، على حد قوله.

دراسات الارتباط الجينومية

قبل إتمام مشروع الجينوم البشري، نجحت عدة دراسات في اكتشاف بعض العوامل الوراثية التي تتسبب في أمراض قلبية وعائية مثل اعتلال القلب التضخمي والفشل القلبي، وتحدث تلك الاعتلالات نتيجة طفرة في جين واحد، ولذلك تُعرف بالأمراض "أحادية الجين" أو الأمراض المندلية.
 

إلا أن الدراسات الحديثة تؤكد أن معظم الأمراض القلبية تتأثر بمتغيرات ضمن جينات متعددة، يجري تنشطيها وفق ظروف بيئية معينة، وعليه، أسهَم وجود جينوم مرجعي بشري في زيادة فهمنا لطبيعة تلك الأمراض، من خلال تسهيله البحث عن العديد من المتغيرات الجينية المُمْرضة على مدى الجينوم كاملًا.

ويحدث ذلك عبر مقارنة كامل المادة الوراثية لعينة كبيرة من المتطوعين الأصحاء، بعينة أخرى تعاني مرضًا مشتركًا، وفور ملاحظة متغيرات ذات انتشار أوسع في المتطوعين المرضى عن الأصحاء، يمكن تتبُّعها للتأكد من مدى إسهامها في تطور المرض، وتُعرف تلك الدراسات بـ"دراسات الارتباط الجينومية-格干".

فريق عمل مركز القلب بأسوان مع عدد من أفراد الفريق البحثي credit: Yasmine Aguib

تشير "عجيب" إلى أن الخطوة القادمة لفريقها هي دراسة المزيد من الجينات المرتبطة بصحة القلب، واستقطاب المزيد من المتطوعين؛ حتى يتسنى لفريقها إجراء دراسات ارتباط جينومية للأمراض القلبية لدى المصريين، مضيفةً أن دراستها الحالية قد كشفت عن متغيرات نادرة قد تكون ذات أثر مرضي، ولذلك سيجري متابعة حامليها من المتطوعين بشكل دوري.

ويشير كلٌّ من "إداغدور" و"إبراهيم" إلى أن كمًّا أكبر وأنواعًا مختلفة من المتغيرات الجينية يمكن الكشف عنها إن عمد الفريق إلى استخدام تقنية مختلفة لقراءة كامل الجينوم لدى المتطوعين، مؤكدين أهمية إتاحة البيانات للتعاون البحثي.

ومن جانبها، تؤكد "عجيب" أن كل البيانات الجينية جرى إيداعها في قاعدة بيانات عالمية، وأن فريقها على استعداد للتعاون مع مجموعات بحثية من مصر أو المنطقة العربية.

من جانبه أشاد محمود صقر -رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا المصرية- بنتائج الدراسة في تصريحاته لـ"للعلم"، مشيرًا إلى أن المشروع القومي للجينوم المصري يهدف إلى بناء قاعدة بيانات محلية لتضم الدراسات ذات الصلة، وتعمل على تسهيل التواصل بين الباحثين المصريين المهتمين بدراسة الجينوم المصري، وكانت الأكاديمية قد أطلقت في أكتوبر الماضي مشروع الجينوم المرجعى للمصريين، الذي من المخطط له أن يتم تنفيذه خلال السنوات الخمس القادمة، وبتمويل مبدئي يبلغ مليار جنيه مصري، ويعمل في ثلاثة محاور رئيسية هي تحديد الجينوم المرجعي المصري، ودراسة جينوم قدماء المصريين، ودراسة الجينوم الوظيفي، وارتباط التغييرات الجينية بانتشار الأمراض بين أفراد الشعب المصري.